ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
129
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
هذا وأنتم تعلمون أني لم أكن أحفظ كتابا ولا أخطه بيميني ، ولا صاحبت من أتعلم منه ، بل صاحبتم أنتم في أسفاركم من تتعلمون منه وتسألونه عن أخبار الأمم والملوك وغيرها ما لم أشارككم فيه بوجه ، ثم جئتكم بهذا النبأ العظيم الذي فيه علم الأولين والآخرين ، وعلم ما كان وما سيكون على التفصيل ، فأي برهان أوضح من هذا ، وأي عبارة أفصح وأوجز من هذه العبارة المتضمنة له . وقال تعالى : قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ( سبأ : 46 ) ولما كان للإنسان الذي يطلب معرفة الحق حالتان : إحداهما أن يكون مناظرا مع نفسه ، والثانية أن يكون مناظرا مع غيره ؛ فأمرهم بخصلة واحدة وهي أن يقوموا للّه اثنين اثنين ، فيتناظران ويتساءلان بينهما واحدا واحدا ، يقوم كل واحد مع نفسه ، فيتفكر في أمر هذا الداعي وما يدعوا إليه ويستدعى أدلة الصدق والكذب ، ويعرض ما جاء به عليها ليتبين له حقيقة الحال . فهذا هو الحجاج الجليل والإنصاف البين ، والنصح التام . وقال سبحانه في تثبيت أمر البعث وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( يس : 78 - 79 ) إلى آخر السورة . فلو رام أفصح البشر وأعلمهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو مثلها ، في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز والاختصار ، ووصف حينئذ الدلالة وصحة البرهان ، لألفى نفسه ظاهر العجز عن ذلك . فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده الملحد اقتضى جوابا ، وكان في قوله سبحانه : وَنَسِيَ خَلْقَهُ ما وفي بالجواب وأقام الحجة وأزال الشبهة لولا ما أراد اللّه تعالى من تأكيد حجته وزيادة تقريرها ، وذلك أنه تعالى أخبر أن هذا السائل الملحد لو تبين خلق نفسه وبدء